بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد و آل محمد الطيبين الطاهرين الأشراف الكرام و عجَّل فرجهم يا كريم و ارحمنا بهم يا رحمن يا رحيم
لماذا سميت مكة ببكة؟
قال تعالى : (للذي ببكة ) و قد قيل : إنَّ المقصود بـ «بكة» هو مكة ، إذ تبديل الميم إلى الباء يحدث أحياناً نظير « لازب ولازم » . بيدَ أنَّ تعليل ذلك لا يكون بالتبديل ، وانما : « لانَّ الناس يَبُكَّ بعضهم بعضاً » ، (32) اثر الازدحام والكثرة عند اجتماع الناس فيها. و «بك» تأتي بمعنى التحطيم ، فهي بكة لأنها تبكّ أعناق الجبابرة والبغاة اذا بغوا فيها، فتدفعهم.
معنى مباركاً :
يقول تعالى في وصف بيته الذي بمكة : (مباركاً و هدىً للعالمين ). والمعنى أنَّ البيت منشأ الوفير من البركات ، وهو وسيلة هداية للناس . وتطلق «البركة» على المال والشيء الثابت ، فما له ثبات ودوام فهو مبارك. من هنا أطلق على تجمعات الماء في الصحراء أنها «بِركْة» لما تتّسم به من ثبات ، ولأنها تحفظ الماء من الهدر فيدوم. و بتعبير الشيخ الطوسي فإنَّ الصدر يسمى «برك» ، لأنَّه المكان الذي تحفظ فيه العلوم والأسرار والأفكار وتثبت . وكذا يقال «بَرَك» لوَبَر البعير من جهة صدره. و ذات الله مباركة لجهة ثبات خيرها ودوامها.
أما بالنسبة للبيت فلأنه ينعم بالخير والثبات أكثر من الأماكن الأخرى فهو يكون «مباركاً » ، أي وفير الخيرات دائمها. أماكون الكعبة وسيلة هداية للناس كافة ، فمرد ذلك إلى أنَّ جميع العباد والسالكين يقصدونها; ومنها صدعت دعوة الحق إلى البشرية جمعاء ، اذ مِنها انطلق نداء نبينا(صلى الله عليه وآله): «لا إله إلاّ الله» إلى أرجاء الدنيا، ومنها سيبلغ نداء خاتم الأوصياء المهدي(عليه السلام) أسماع البشرية في اليوم الموعود. فهي إذن محضن الحق ، تتوفّر على وسائل كثيرة أخرى لهداية الناس. وفي مكة آيات لله لا تحصى . (فيه آيات بيّنات ).
مقام ابراهيم :

يقول تعالى : (مقام ابراهيم )لقد ذهب البعض للقول : إنَّ ابراهيم(عليه السلام) كما «كان أمة واحدة » فانَّ مقامه أيضاً بمنزلة «آيات بينات» ، أي انَّ المقام في آثار أقدام الخليل(عليه السلام) وفير بالمعجزات ، حتى أضحى المقام بمنزلة « أمة واحدة » في باب الاعجاز، كما هو شأن الخليل نفسه. و السؤال : كيف أضحى «مقام ابراهيم» آيات بينات بصيغة الجمع ، في حين انّ السياق يقتضي التعبير بالمفرد ، فيقال : آية بينة ؟
- ثمة في الجواب عدّة احتمالات ، نشير للأول منها من خلال ما يلي :
أوّلاً : لقد تحوَّل الصخر الصلد إلى عجين لين ، وذلك في حدِّ ذاته آية ومعجزة.
ثانياً : ثمة مكان محدَّد من الصخرة هو الذي لانَ دون البقية.
ثالثاً : انَّ لين الصخرة حصل لعمق وبشكل معين ثم عادت الصخرة فيما عدا ذاك لصلادتها.
رابعاً : لقد بذل الأعداء جهوداً محمومة لمحو هذا الأثر، بيدَ أنَّه بقي يتطاول على الزمان محفوظاً من عبث الطغاة.
خامساً : ثمة قوى مولعة بخطف ما يقع بيديها من آثار قديمة في بلاد المسلمين تتسم بطابع فني، أو تحمل خصائص مقدَّسة ، ومع ذلك بقي هذا الأثر دون أن تفلح هذه القوى بنقله إلى خارج العالم الاسلامي.
كيف تشكّل الاثر في مقام ابراهيم ؟
هل تشكّل الأثر في مقام ابراهيم حين وقف(عليه السلام) على المكان ـ الصخرة ـ أثناء بناء الكعبة ؟، أو أنَّ الآية حصلت حين عادَ ابراهيم للمرة الثانية فطلبت منه زوجة ولده اسماعيل أن ينزل لتغسل له (رأسه أو رجله) إلاّ أنَّه لم ينزل، وإنما وضعَ قدمه على الصخرة فتركت هذا الأثر؟ أو الأثر انطبع على الصخر حين اعتلاه الخليل ليؤذّن في الحج امتثالاً لأمر الله تعالى : (وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً) ، (33) .
يمكن أن يكون الأثر قد حصل في جميع هذه الحالات ، أو في إحديها. فجميع هذه الوجوه محتمل الوقوع . بيد أنَّ ما يهمّنا التأكيد عليه هو أنَّ الخليل(عليه السلام) وضع قدميه على الصخرة فانطبعت آثارهما، وبقيت الآثار حتى اللحظة . أما في أي حالة من الحالات آنفة الذكر تمَّ ذلك ، فالأمر مُناط للروايات الخاصة التي تتكفل اضاءة المسألة وبيانها.
إنَّ هذه الخصيصة التي حصلت لإبراهيم(عليه السلام) ، حيث يحدثنا (سبحانه) في سورة سبأ ، بقوله تعالى : (وَ لقد آتينا داود منّا فَضلاً يا جبال أوِّ بي معه والطّير وأَلنَّا لَهُ اْلحديدَ )، ( 34) .ليس هذا وحده ، وانما عُلِّمَ داود صناعة الدروع ، حيث يقول تعالى : ( وَعلّمناه صنعة لبوس )، (35) ، لقد كان الحديد البارد الصلد يلين بين يدي داود(عليه السلام).
وما ينبغي الانتباه اليه انَّ القرآن استعمل (ألنَّا )في مسألة الحديد ، في حين استعمل (علمناه )في صناعة الدروع . والسّر انَّ صناعة الدروع هي جزء من العلوم الحرفية الصناعية التيي يمكن تعلّمها واكتساب المهارة فيها، وبالتالي يمكن انتقالها إلى الآخرين . أما إلانة الحديد فهي ليست مسألة مهنية تدخل في اطار العلم والتعلّم ، وَ بالتالي لا يمكن أن تنتقل إلى الآخرين ، ولذلك لم يعبّر عنها بـ «وعلمناه إلانة الحديد».
قد يقال : إنَّ من الممكن إلانة الحديد عبر تذويبه في صهاريج الفولاذ ، إلاّ أنَّ الآية لا تتحدث عن هذا النمط من الإلانة والتذويب الذي يقع في مجال العلم ، وإنما تتحدث عن فعل اعجازي ، حيث كانَ داود(عليه السلام) يمسك الحديد الصلب بين يديه وَيشكّله كيفما شاء ، تماماً كما يمسك الانسان العادي الشمع بين يديه ويعيد تشكيله بما يشاء.و مقام ابراهيم(عليه السلام) هو من هذا القبيل ، مع فارق بين الاثنين حيث لانَ الحديد لداود ، والصخر لابراهيم ، والتقدير «وألنا له الحجر».
لقد أضحى الصخر ليناً ناعماً بين قدمي الخليل ، حتى ترك أثرهما عليه ، مُضافاً لذلك أنَّ الصخر أضحى بمثابة «المحفظة» لقدم الخليل(عليه السلام) كما الحديد بالنسبة لداود(عليه السلام). و الآن عودة إلى بدء، فقد انطلقنا من السؤال التالي : كيف يكون مقام ابراهيم لوحده بصيغة المفرد دالة على (آيات بينات )وهي بصيغة الجمع؟
ذكرنا حتى الآن أحد احتمالين حيث لا حظنا أنه هناك عدد من الآيات المعجزة في المقام يشكل مجموعها : آيات بيّنات والاحتمال الأول هذا ذهب اليه الزمخشري.
أما الاحتمال الثاني، ففحواه انَّ (آيات بينات )تنطوي على عدد كبير ـ من الآيات والمعجزات ـ إحديها (مقام ابراهيم )، وثانيتها : (وَ مَن دخله كانَ آمناً).
يتبع ..
وأسأل الله و أهل البيت عليهم السلام التوفيق و السداد وأن تقضى جميع حوائجكم في الدنيا و الآخرة عاجلاً ببركة و سداد أهل البيت عليهم السلام